الجمعة، 9 مارس 2012

النقد القديم:قضية اللفظ والمعنى وأثرها في نشأة النقد: الفصل التاني


 
قضية اللفظ والمعنى وأثرها في نشأة النقد

تعتبرهذه القضية من أهم القضايا التي دار حولها النقد كما يقول د إحسان عباس.وهي ترجع في الأساس إلى النظر في الشعر ما بين لفظه ومعناه أيهما تكمن فيه  الشاعرية أو المقدرة الفنية  أتنصب العناية على المعنى المخبوء أو الظاهر في الشعر أم تنصب على الشكل والتفرّد في الصياغة ولاشك أن الشعر أو الأدب هو هذا الثنائي (اللفظ والمعنى)مع الأخذ في الاعتبار أن الفصل بينهما غير متحقق عند التدقيق ولا يؤدي إلى بيان الروعة الفنية في الأدب كما سنعرف في آخر هذا العرض. ونحن في هذه العجالة نحاول أن نعرض لأهم الآراء التي دارت في هذه القضية ونخص بعض النقاد الذين كان دورهم بارزا فيها ليكون ذلك كالنموذج للآخرين.
هناك آراء ثلاثة دارت في هذه القضية:1/ فئة ترى أن العناية والشاعرية إنما تتحقق في الصياغة أو الشكل الفني بينما ترى المعاني قدرا مشتركا بين الجميع، وأهم من أثار هذا الموضوع هو الجاحظ، وكانت مقولته الشهيرة أن المعاني مطروحة في الطريق قد أحدثت دويّا كبيرا في الساحة النقدية ولفتت الأنظار إلى منحى خصب وشبه بٍِكر.فوجدنا صداها عند المبرد  وعند العسكري ،وعند ابن خلدون، ووجدنا ابن رشيق يقول:إن أكثر الناس على تفضيل اللفظ على المعنى.2/ثم كان هناك فئة أخرى ترى أن الأفضلية للمعنى وأن الألفاظ خدم له وأوعية لكل معنى وإن لم يطّرحوا المعنى بالكليّة ومنهم ابن رشيق القيرواني والمرزوقي في مقدمته لشرح الحماسة.، وقد نستطيع أن ندرج معهم ابن قتيبة حيث عُني بالمعنى الذي يقوم على الحكمة، كما سنعرف بعد قليل.3/وفئة ثالثة تقول بالترابط التام بين المعنى واللفظ وأنهما كالجسد الواحد لا انفصام بينهما، ومن أهم علماء هذا الرأي:ابن طباطبا العلوي، والحاتمي، والآمدي في الموازنة، وابن رشيق في العمدة، وعمدة هؤلاء جميعا: الإمام عبد القاهر الجرجاني.وسنقف مع ثلاثة من هؤلاء العلماء وهم: الجــاحــظ، وابن قـتــيبة،والإمــام عبد القاهر الجرجاني.
أولا / نظــريــة المعــانـي عند الجاحظ:150-255هـ
تعلمون أن الجاحظ عاش في الفترة من النصف الثاني من القرن الثاني وحتى النصف الثاني من القرن الثالث، وكتب كتابيه :البيان والتبيين، والحيوان، في أخريات حياته.وهذا التاريخ يؤكد أن الرجل عاش في عصر التدوين وأن قد عاصر قضية هامة في نشأة النقد وهي قضية الإعجاز في القرآن الكريم.
وكانت هذه القضية شائعة في ذلك العصَر، وكان الرأي السائد عند شيخ الجاحظ وهو النّظّــام هو أن القرآن الكريم معجز بالصَّــرْفَة وفحوى هذا الر أي: هو أن الله سبحانه وتعالى قد صـرف عقول العرب وشــلّلاقٌـدُراتهم عن أن يأتوا بمثل هذا القرآن.ولكن الجاحظ لم يــأخذ بهذاالرأي، ورأى أن القرآن الكريم معجز بنظمه وحسن بيانه.وهذا الرأي الذي ارتضاه كان هو الشرارة التي تولّدت منها نظرية المعاني الشهيرة عنده، وعنايته بالصياغة، أو الشكل، لأنه من غير المعقول أن يكون القرآن معجز بمعانيه وهي معانٍ موجودة بمادتها الأساسيّة:مثل: الظلم والعدل، والاعتداء والتحذير…الخ ولكن القرآن معجز بنظمه العجيب عن تلك المعاني وعن أدق منها.فما مضمون هذه القضية وما فحواها، وكيف أثّــرت فيمن جاء بعده، وما مقصود الجاحظ من المعاني ومن الشكل أو الألفاظ. …الخ؟حكى الجاحظ أن أبا عمرو الشيباني سمع رجلا يُنشد يوم الجمعة وهو في المسجد قول الشاعر:
لا تحْـسـبَنَّ المــوتَ مــوتَ البلى   فإنّـــمــا المــوت ســؤال الرِّجــال
كــلاهـــما مـــــوتٌ ولـكـنَّ ذا        أشــــدُّّ مـن ذاك عـــلى كل حال
وعندما سمع أبو عمرو الشيباني هذين البيتن طرب لهما ولم يغادر المسجد حتى كتبهما في قرطاس احتفاءً بهما وما يحملان من معنى.ثم قال الجاحظ معلقا على هذا الاستحسان: وذهب الشيخ الى استحسان المعاني والمعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجمي والعربي والبدوي والقروي، وإنما الشأن في إقامة الوزن، وتخيّر اللفظ، وسهولة المخرج، وكثرة الماء، وفي صحة الطبع، وجودة السبك، فإنما الشعر صناعة (أو صياغة) وضرب من النَّسْج وجنس من التصوير)ولو رجعنا إلى هذين البتين لوجدنا أنهما يحملان معنى شريفا مؤدّاه:أن الموت الحقيقي الموجع ليس فقد الروح بل هو الحاجة الملجئة للناس وسؤالهم.وأنت تعلم أن هذا المعنى معنى شريف لا يختلف فيه اثنان، وهو يجري على ألسنة الناس إلى عصرنا هذا، ثم إننا لا نشك مرة ثانية أن إعجاب الشيباني إنما كان راجعا إلى هذا المعنى؛ لأنه وافق هواه، وتناسى أبو عمرو أنّ المعاني تجري على ألسنة الناس وأن الأفهام والأذواق تلتفت إليها بقوّة الصياغة وحسن الإشارة وجودة الكلام بدليل أن بعض المعاني الدنيئة أخلاقيا تضفي الصياغة عليها ملمحا جماليا ملفتا.ثم إن هذا المعنى بالذات لا يكاد يختص به شخص دون آخر بل هو من المعاني السائرة وضوحا والتي ترتد إلى ثقافة شبه عامّة عند الناس ترى أن الحاجة إلى الناس في المعاش مذلةٌ وصَغار.فليس المعنى مفـترعا من الشاعر .فما كان من الجاحظ تجاه هذا الموقف إلا أن اتخذ موقفا مضادا أو على النقيض لمن لم يحسن النظر والتأمل في كلامه:فالإعجاب المنقطع النظير من الرجل جعل الجاحظ يحكم بأن هذا الشاعر لا يحسن الشعر، بل وتمادى في رأيه ليحكم بأن ابن هذا الرجل لا يقول شعرا ،وكأنه بذلك يومئ إلى أنّ الأب الذي بهذا الضعف الشعري لا يورِّث شعرا جيّدا. ثم التفت إلى ما يفتقده البيتان من الشاعرية الحقّة: وهي قوّة البيان عن المعنى ،وجودة السبك وحسن الإشارة ،حيث لم يجد في هذا الشعر تخيُّرا للفظ ،ولا كثرة للماء التي تعني قوّة الصياغة مع سلاسة الألفاظ …الخ لم يُعجب الجاحظ بنسج هذا الشعر: فقوله مثلا:  ولكن ذا أشنع من ذا: فيها ركاكة ظاهرة/وقوله:على كل حال: عبارة تقرب من أن تكون سوقية.وعليه فإن إعلاء الجاحظ لشأن الألفاظ في مقولته ظاهر لا يحتاج لمن يدل عليه:ونتساءل هنا:ما مراد الجاحظ بالألفاظ،فالرجل يقول: تخيّر اللفظ، وجودة السبك، والسبك للألفاظ، والشعر صناعة والصناعة للألفاظ ،قطعا ليس المراد باللفظ هنا هو اللفظ المفرد، ولكن اللفظ هو النظم فجودة السبك لا تكون من كلمة واحدة، وكون الشعر ضرب من التصوير:أيضا يحتاج لعبارة كاملة لا لفظ مفرد.والملبس حقا في مقولة الجاحظ هنا هو المعنى، وكيفية تأتيه لكل أحد:هل المعنى هو المعنى العام مثل الامتداح بالكرم والشجاعة والذم بالبخل والجبن،أو أنه هو المعنى الغريب المبتدع ؟أو أن المعنى هو المادة الأوليّة (الخام) قبل الصنعة، أي قبل أن تداخلها الصنعة الشعرية،لعل الإجابة المقنعة التي تظهر مراد الجاحظ من مقولته تلك في المعاني نجدها بوضوح تام عند الإمام عبد القاهر الجرجاني، والذي سنقف عليه بتوسع بعد قليل/ولكن لا يمنع أن نشير إلى أن مراد الجاحظ بالمعاني هي الأدوات الأولية حيث نجد الجاحظ يقارن بين الكلام ومادة الصائغ، فالصائغ مثلا يصنع من الذهب والفضة خاتمافإذا أردنا الحكم على صنعته وجودتها نظرنا إلى الخاتم من حيث هو خاتم، ولم ننظر إلى الذهب والفضة التي صنعت منه، فهذه هي المادة الأولية التي تشبه المعنى المطروح، وليس فيها تفاضل إذا أردت أن تحكم على جودة الصنعة نفسها، ولهذا فإن الشأن كل الشأن في إقامة الوزن وتخيّر اللفظ وسهولة المخرج وصحة الطبع…الخ ،إذن المعنى المطروح   عند الجاحظ، أو المعنى الذي يعرفه الجميع ولا يكون فيه تفاضل وتميّز هو المعنى الأوّلي السائر الذي يجري على ألسنة الناس، هو المادة الأولى المشاعة بين الناس.كشيوع المعادن، لا شيوع صناعة تلك المعادن. فقبل أن يصاغ المعنى صياغةً ما يكون ملكا بين الناس ثم تأتي الصياغة وجودة السبك وقوّة الطبع…فتُلفت الأنظار إليه، وتكسبه شرفا ورفعة بين المتذوقين للشعر والبيان، وبقدرة المبدع يكون تميزه، وعلى ذلك ربما كان المعنى شريفا كما مر في البيتين السابقين ولكن الصياغة الرديئة تقعد به وتزري بشرفه، والعكس صحيحا.وسوف تكتمل وجهة النظر هذه عند الوقوف على رأي الإمام عبدالقاهر .المهم هنا أن نظرة الجاحظ هذه لفتت الأذهان إليها وحركت القرائح للنظر في مبنى الشعر ومعناه انطلاقا منها : قربا أو بعدا أو استيحاءً.
ثانيا/ابن قتيبة.
كان الجاحظ أستاذا لابن قتيبة ،ومع حضور مذهب الجاحظ في ذهن الرجل إلا  أنه اختطّ رأيا منفردا في هذه القضيــة ،حيث يقول : إنه تدبر الشعر فوجده أربعة أضرب:1/ضرب جاد لفظه وجاد معناه2/ضرب حسن لفظه وجاد، وليس تحته كبير معنى3/ضرب جاد معناه وقصّرت ألفاظه
4/وضرب لم يحسن لفظا ولا معنى.،ونلاحظ هنا أن ابن قتيبة قسّم الشعر قسمة عقليّة ،وذلك ليس ناتجا إلا من نظرة فطريّة للأمر لابد منها :فما دام أن الشعر لفظ ومعنى فلابد أن يجود كل منهما ويقبح فتتولّد حينئذ هذه القسمة.،كما نلاحظ أن ابن قتيبة نظر للمعنى وللفظ على أنهما أمران منفصلان ،ولكنه لم يفضل جانبا على آخر.وبهذا يفترق عن أستاذه الجاحظ الذي قصر تقدم الشعر على جانبه الشكلي وعلى قدرة الصياغة على الإبانة،بينما يرى ابن قتيبة أن للمعنى دخلا في تقدم الشعر .وعندما نعيد النظر في استشهادات الرجل على الأضرب الأربعة لنستنبط منها المعنى الجيد الذي يراه نجد أنه يميل ناحية المعنى الخلقي أو المعنى الذي يحمل حكمة وتجارب سنين،فهو يستحسن مثلا قول الحزين الكناني في علي بن الحسين :
في كفّه خيزرانٍ ريحــه عـــبـــق            من كفِّ أروع في عرنينه شمم
يُغضي حياءً ويُغضَى من مهابته               فلا يُكلَّم إلاّ حيــن يـبــتـسم
.ويستحسن قول أوس بن حجر في الرثاء :
أيــّتُها النّفسُ أجملي طلبا                     إنّ الذي تحذريــن قد وقعا
وقول أبي ذؤيب:
والنّفسُ راغبــة إذا رغّبتَها                     وإذا تُردّ إلى قليلٍ تنــفـــع
وهو كما تلاحظ  معنى خلقي جليل.إذن يظهر من استشهادات الرجل أنه ينظر للشعر الذي يحمل معنى جليل من معاني الحكمة والأخلاق وتجارب السنين،بعين الرضا وذلك لأن الرجل فقيه ،فهو ينظر للشعر من تلك الزاوية.وقطعا لابن قتيبة ميل ناحية بعض المعاني الشعرية الأخرى كالغزل وحسن الوصف مثلا ،ولكننا وجدناه يميل هنا في تقسيماته لهذه الأضرب ناحية تلك  المعاني الخُلُقيّة،ومع ذلك لم نجد الرجل وهو يذكر هذه الأضرب لم نجده يصرح تصريحا واضحا بميله إلى جانب من جانبي اللفظ والمعنى ،لكنه مع ذلك فصل بين اللفظ والمعنى بلا أدنى شك.
وهذا ما سيقودنا إلى عالم آخر لم ير هذا الفصل محققا غرضا ،وهو الأمام عبد القاهر الذي يمثل الفئة التي نظرت إلى الشعر نظرة مترابطة، ولم تفصل بين اللفظ والمعنى.
ثالثا/ الإمام عبدالقاهر ت/471 :ونظرية النظم

وصلت  القضية إلى الإمام عبدالقاهر في منتصف القرن الخامس تقريبا وقد نضجت الفكرة وحامت حولها الآراء كثيرا وتشعبت بين مؤيد للفظ ومؤيد للمعنى ،فأدلى الإمام بدلوه فيها وقدّر الله تعالى له أن أن يكون دلوُه غزيرَ الفائدة عظيمَ القدر ،قاضيا في هذه الإشكاليّة التي أتعبت العلماء بقضاء مبرمٍ لا تند عنه الأفهام ،ولا تُدرسه الأيّام :نظر الإمام عبدالقاهر فيمن سبق فوجد أن مقولة الجاحظ السابقة في تفضيله للألفاظ وتقديمها على المعاني قد طبّقت الآفاق ،واستحسنها كثير من القوم، ولكنّ الإمام رأى أنه من غير المعقول أن تُفهم تلك المقولة ذلك الفهم القاصر الذي يعطي اللفظ مكانة عظيمة ويقعد بالمعنى،وكذلك ليس من المقبول أيضا أن يُقدم الشعر بمعناه ،ولأن ذلك يقرب من أن يكون تناقضا فلابد من عرض وجهة نظر الأمام بشيء من البسط .وقد تفتّق ذهنه ومحاورته لهذا الأمر عن نظرية شهيرة في مسيرة النقد والبلاغة على وجه الخصوص وهي نظرية ( النــّــظـْم)فأخذ أوّلا يبطل أن يكون الشعر متقدما بلفظه وقال” إن التباين في الفضيلة ،والتباعد عنها إلى ما ينافيها من الرذيلة ليس بمجرد اللفظ ،” فالألفاظ لا تفيد حتّى تؤلّف ضربا من التأليف ،ويُعمد بها إلى وجه دون وجه من التركيب والترتيب ،وهذا الحكم أعني :الاختصاص في الترتيب يقع في الألفاظ مرتبة على المعاني المرتبة في النفس المنتظمة فيها على عقلية العقل (الإدراك الذهني)”وعلى هذا فالألفاظ لا مزيّة لها في ذاتها من حيث هي أصوات تتوالى في النطق، وفنون الكلام التي قد يتوهم من النظرة السريعة أن الحسن والقبح يعود فيها إلى جانب اللفظ يعود بها الإمام إلى حانب المعنى، أنظر لتحليله لأبيات منى الشهيرة:
ولمّا قضينا من منىً كلَّ حاجــــــة        ومـسَّــح بالأركــان من هو ماسح والإمام يؤكد ذلك بالتطبيق الفعلي، فالكلمة قد تروقك في نص وتأتي نفس الكلمة في نص آخر فلا تروق ولا تطرب، وهذا دليل على أن قيمتها ليست في ذاتها بقدر ما هي في تعلقها بغيرها.
والتعلق أو التعليق في نظرية النظم هو هو الفكر الإنساني الذي لا يتوقف على معاني الألفاظ في أنفسها وإنما يتوقف عليها مرتبطة في نظم العبارة،وهذا هو المراد من معاني النحو عند الإمام الذي به تُدرك وتُكشف المعاني ،فاللفظ المفرد في حد ذاته لا اعتبار له ،ولا يكشف عن المعنى ،ولا يؤدي الغرض ،وإنما هو لا يعدو أن يكون لبنة في بناء متماسك هو التركيب.  ولذلك يطلب منك الإمام   أن تعمد إلى أي نص شئتَ وتأخذ كلماته وألفاظه وتنثرها نثرا وتقف عند كل كلمة على حدة كقول امرئ القيس :
قفا نبكِ من ذكرى حبيب ومنزل            بسقط الِّلوى بين الدخول فحومل

ثم غيّر نظام هذا البيت فقل: من نبك قفا حبيب… وحاول أن يستبين لك المعنى، ولن يستبين، وهذا أكبر وأوضح دليل على أن الألفاظ المفردة لا تكمن قيمتها إلا وهي مرتبة ترتيبا يقتضيه النحو ،يقول الإمام ” فلا ترى كلاما قد وصف بصحة نظم أو فساده ،أو وصِف بمزيّة وفضل فيه إلا وأنت تجد موضع تلك الصحة وذلك الفساد وتلك المزيّة إلى معاني النحو .
إذن الألفاظ في القرآن الكريم أو في الشعر أو البيان كله ليس لها مزية على الإفراد، ومزيتها تكمن في ترتيبها مع أخواتها في الجملة، وحسْب تعلقها ببعضها، وهو نظمها، وهو صياغتُها وسبكها وتخيرها مع جاراتها،

ومع أن الإمام رفض أن يتقدم الشعر أو يعرف الإعجاز بلفظه فكذلك وقف ضد تقدم الشعر بمعناه، وذلك أنه قد شاع في عصره أن المزية التي تكسب الكلام فضلا تكمن في معناه،كما شاع في عصر الجاحظ نقيض ذلك بتقديم الشعر بلفظه أو صياغته عند من لم يفهم مقولته السابقة.فالإمام يرى أوّلا: أنه من غير السهل على النقاد أن لا يعرفوا للمعنى المنطوي على حكمة أو خلق جليل ألا يُقدّم من هذه الجهة، ويرد على هذا الأمر:بأن الذي يريد أن يحكم على شيء ما أن يحكم على عناصره التي تكوّن منها وأبنيته، ولا يعمد إلى شيء متصل به ولكنه لا يمثل الجوهر وهو المعنى الخلقي أو الحكمة، فالمعنى متصل بالشعر ولا شك ،ولكنه ليس جديرا بأن يكون فيصلا في الحكم إنما الفيصل هو الصياغة.فالذي يريد أن يحكم على الخاتم أو السوار لا يحكم على الذهب الذي هو معدن ذلك الخاتم فالذهب يوجد في الخاتم والسوار والخلخال، ولكن تميزه   يكون منصبا على ما بُذل فيها من صنع حتى استحالت خاتما أو سوارا أو خلخالا.فكأن المفاضلة بين خاتم وخاتم وليست بين ذهب وذهب.والذهب هنا هو المعنى الخلقي أو الحكمة في الشعر، بينما السوار والخاتم المصنوعة هي النظم والصياغة، فأنت إذن تحكم على الشعر وتعرف قيمته وتقدمه بما فيه من صياغة ونظم وبناء للمعاني.والمعنى الذي يرفض الإمام أن يكون له مزية في تقديم شعر على شعر هو الأغراض العامّة،أما المعاني الذي يجعل لها المزية والتقديم فهي المعاني المتولّدة من الصياغة أي هيآت المعاني وصورها ،ودلالات الصياغة،فالمعاني لها عند الإمام صور كما للأشخاص صور.
فقول أبي الطيب:
يُــــــــــرادُ مــن القلــب نسيانكم          وتـــأبى الطِّـــــــــــباع على النّاقل

فالشطر الثاني معناه المطروح في الطريق كما عند الجاحظ هو ” الطبع لا يتغيّر) ولا ترجع مزيّة هذا البيت إلى هذا المعنى؛ لأنه ممّا يجري على الألسن دون أن يثير أو تلتفت إليه الأنظار والأذواق.أمّا المعنى الذي ترجع إليه المزيّة فهو الذي في قول أبي الطيب نفسه؛ لأن الشاعر أحدث في المعاني صورا صاغ بها هذا الكلام العامي شعرا عاليا رفيعا، والإمام يقول إن صورة المعنى في بيت الشاعر هو الذي تولّدت منه هذه الصورة التي حوّلت المعنى العامي إلى شعر رفيع:وذلك لأن إسناد:تأبى ” إلى الطباع، وتعلّق “على النّاقل” بـ “تأبى” أعطى المعنى مذاقا آخر غير الذي في المعنى المطروح:فأنت تجد الصياغة هنا قد أحدثت في المعنى حيويّة ومجاذبة، وصار هناك صراع بين الطباع وبين محاولة النّاقل لها ،فالطباع هنا شُخِّصت وبُثّت فيها الحيــاة.وعليه نستطيع أن نقول:إن المعاني والألفاظ عند الإمام عبدا لقاهر الجرجاني هي فحوى البيان وأنه من العسير لمن أراد أن يستبين طريق البيان أن يفصل بينها، وأن الألفاظ التي ترجع إليها المزيّة هي النظم والتركيب وليست الألفاظ المفردة، وأنّ ذلك هو فحوى مقولة الجاحظ،وأن المعاني التي ترجع إليها المزيّة هي المعاني المتولّدة من تلك الصياغة ،وهي ما أفرزتْه الصياغة وباعدتْه عن المعنى المطروح في الطريق.وإذا كان لنا تعليق على ذلك فإنّنا نقول:إنّ هذه النظرة الشاملة من الإمام عبدا لقاهر هي التي لم يستطع المحدثون أن يقولوا بغيرها ،وهي فحوى أحاديثهم عن ترابط هذين العنصرين ،ومن أراد مرجعا لذلك فليراجع :قضايا النقد الأدبي  بين القديم والحديث للدكتور /محمد زكي العشماوي


0 commentaires :

قالب دبل كليك | جميع الحقوق محفوظة لمدونة و القلم ©