الجمعة، 9 مارس، 2012

السرقات الشعرية: الفصل التاني

  مقدمة:
قال طرفة بن العبد:    ولا أغير على الأشعار أسرقــها     @@     عنها غنيت وشر الناس من سرقا
      وقال الأعشى:         فكيف أنا وانتحالي القوافي       @@        بعد المشيب كفى ذاك عار
    لفظ السرقة في الأدب عامة ، وفي الشعر على وجه التحديد لا يقف عند حد الاعتداء على إنتاج الآخرين والأخذ منه وإنما تتجاوز السرقة ذلك إلى أمور أخرى كالتضمين والاقتباس والمحاكاة والتصوير وعكس المعنى وما إلى ذلك.
           اهتم النقاد بقضية السرقات الشعرية لأسباب فنية هي:
1-     الحياة الإنسانية كالحياة الطبيعية تسير على قانون الترقي والاستحالة سواء علميا أو فنيا.
2-     تقوقع العرب حول شعرهم التقليدي  من غير إطلاع على الآداب الأجنبية
3-     نقلت الخصومة بين القدماء والمحدثين نقد الشعر من المعقول إلى الإسراف في الاتهام بالسرقة.
4-     إرضاء النقاد المتعصبين للقديم دفع بعض الشعراء إلى السرقة.
5-     السرق لا يكون إلا في البديع إذ ليس للناس فيه اشتراك .
           ولأسباب أخرى غير فنية هي:


1-  حب الظهور من باب خالف تعرف.
2-     التعبير عن مركب النقص باتهام فحول الشعراء بالسرقة.
    وبالرجوع إلى كتب الأدب والنقد نجدها غنية بالاخبارالتاريخية للسرقات وقد تميزت مسروقات ما قبل الإسلام بطابع السذاجة  ولم تتعد صفة الانتحال دون إجراء أي تغيير على المسروق ، أما في صدر الإسلام فصارت السرقات أكثر شيوعا وأخذ السارق يتفنن في إخفاء ما سرق .
    قسم ابن الأثير السرقات الأدبية إلى خمسة أقسام: النسخ، السلخ، المسخ، اخذ المعنى مع الزيادة عليه و أخيرا عكس المعنى إلى ضده، ثم أشار في "المثل السائر" إلى أن: "السرقة الشعرية لا يمكن الوقوف عليها إلا بحفظ الأشعار الكثيرة التي لا يحصرها عدد". واشتهر إلى جانبه كل من:
* محمد بن سلام الجمحي (231 هـ) صاحب كتاب " طبقات فحول الشعراء " والذي عزا السرقة إلى اختلاف الرواية .
*ابن قتيبة (276هـ) صاحب كتاب "الشعر والشعراء" ونبه فيه إلى أن للسارق فضل الزيادة كما للناظم فضل السبق .
*ابن طباطبا (322هـ)صاحب كتاب " عيار الشعر " أكد على فكرة الدربة أي التمرس بآثار السالفين دون الإغارة على معانيها أو نقلها وإخراجها في أوزان غير أوزانها واضعا لذلك خمس قواعد هي: ألطاف الحيلة، تدقيق النظر، تلبيس المسروق والتفنن في إخفائه، استعمال المعاني في أجناس جديدة وأخيرا تناول المعنى وجعله شعرا .
*الصولي (335 هـ) صاحب أخبار أبي تمام بين من الأخذ ومن المأخوذ منه، استكره  السرقة وقسمها إلى ثلاثة أقسام : سرقة اللفظ، سرقة المعنى و سرقة اللفظ والمعنى.
*الآميدي (370هـ) صاحب كتاب "الموازنة بين الطائيين" أشار إلى أن السرق يكون في البديع المخترع لا في المعاني والألفاظ والأمثال ،السرقة عنده ليست من كبير مساوئ الشعراء ... ويعد أول من وضع مقياسا لتمييز السرقات إلا انه لم يلتزم به .
العصر والإنسان :
    أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني قاضي الري في أيام الصاحب ابن عباد ، ولد بجرجان سنة 290هـ، نشا بها وكان أديبا أريبا كاملا ،مات بالري سنة 392هـ ،طلب العلم في العراق والشام والحجا، اشتهر بالفقه واشتغل بالتاريخ ونظم الشعر وكان كاتبا فحلا، تتلمذ على يده عبد القادر الجرجاني، من أثاره :"تفسير القران"، "الأنساب "، "تهذيب التاريخ" و" الوساطة بين المتنبي وخصومه "
صورة من كتاب الوساطة :
    ألفه الجرجاني ردا على الصاحب في رسالته التي تظهر مساوئ المتنبي إلا أن الكتاب لم يختص بشعر المتنبي ،بل عرض للأحوال الأدبية التي عرضت في عصره وحلل أشعار القدماء والمحدثين وأورد كثيرا من محاسنهم وعيوبهم ،وأبان ماشاع فيها من تعقيد وغموض واخذ وسرقة واستعارة حسنة أو رذيئة....
    وبإمعان النظر في الكتاب يمكن تقسيمه إلى ثلاثة أقسام :
1-المقدمة :أبان فيها عن وجوب الإنصاف والعدل فيما بين أهل العلم والأدب ن ثم قسم الناس إلى فئتين : مطنب في تقريظ المتنبي وعائب يروم إزالته عن منصبه ،ليتحدث بعد ذلك عن الطبع والصنعة مقارنا بينهما
2-العرض (من ص 49الى ص 434) : تحدث فيه عن المتنبي وقضيته مصنفا خصومه إلى قسمين : ذام لشعره ،ومؤمن بما أحدثه من شعر من دون إقرار منه بذلك ، هذا ما حذا بالجرجاني إلى إثبات الوجود الأدبي لشعر المتنبي
3-المناقشة: وفيها حاور الجرجاني ماعاب به النقاد شعر المتنبي فقام بتصنيف اتهاماتهم له ليعمد إلى الرد عليها بعد ذلك .
السرقات الشعرية لدى الجرجاني في تقويم النقاد المحدثين:
    يقول الجرجاني في الوساطة : "وهذا باب يحتاج إلى إمعان الفكر، وشدة البحث، وحسن النظر، والتحرز من الإقدام قبل التبين، والحكم إلا بعد الثقة" ص: 108. 
فكان رأيه في السرقة ومنهاجه في دراستها كالآتي:
أ‌-        السرقة باب عسير لا ينهض بها إلا ناقد بصير/  
ب‌-     السرقة داء قديم وعيب عتيق /
ت‌-     المحدثون اقرب للمعذرة لان السابقين استغرقوا المعاني /
ث‌-     معرفة السرق وانواعه دليل على أن الناقد من جهابذة نقد الشعر وأنواع السرقة حسب الجرجاني: توارد الخواطر – السرق – الغصب – الاختلاس – الإلمام – الملاحظة – التناسب – احتذاء المثال – القلب – تغيير المنهاج والترتيب – النقل /
ج‌-     السرقة لا تكون في المعاني المشتركة التي لا ينفرد بها شخص دون الأخر/
ح‌-     لا تكون السرقة في أسماء المواضع/ز- الألفاظ المشهورة لا تكون فيها سرقة /
خ‌-     المعنى المستفيض المتداول وان كان مخترعا لا يسمى سرقة /
د‌-       ضرورة التفريق بين السرق وتوارد الخواطر /
ذ‌-       السرقة حسب الجرجاني نوعان : محمودة ومذمومة /
رأي النقاد الأربعة المحدثين في السرقات:
·         طه إبراهيم: لم يبد رأيه في الموضوع وربط – كـ"مندور"- بداية العناية بالسرقة بظهور أبي تمام.
·         محمد مندور: يؤكد على ضرورة دراسة السرقات دراسة منهجية معتبرا ما جاء في "الشعر والشعراء" و"الأغاني" مجرد أخبا تاريخية حظ النقد فيها قليل.
·         محمد غنيمي هلال: لم يتناول السرقة كمبحث مستقل، بل أحال على مصادر قتلت الموضوع دراسة وتحليلا، وفي الإحالة إشارة إلى اعتناقه لآراء مؤلفيها أمثال "ابن رشيق" و "مندور"...
·         محمد غنيمي هلال: قوم أعمال النقاد في موضوع السرقات مشيرا إلى أن أفق اشتغالهم كان ضيقا، ولم يكن منهجهم قويما.
·         إحسان عباس: تحرى الموضوعية والحياد في تناوله للموضوع سالكا منهجا علميا قوامه الحكم على الشيء بما له وما عليه.
رأي الأستاذة تاكفراست:
1-     تشاطر الجرجاني و معه الآميدي جواز السرقة شرط ألا يكون الأخذ واضحا وأن يطبع الآخذ ما أخذه بطابعه الخاص متفننا في ذلك باستعمال النقل والقلب وتغيير المنهاج.
2-     ترفض ربط بداية استعمال لفظ "السرقة" بظهور أبي تمام  ودليلها وجود اللفظ في الكتب النقدية القديمة التي سبقته.
3-     ترى أن الدراسة المنهجية للسرقة كانت حاضرة قيل أبي تمام خلافا لما  يرى طه إبراهيم ومندور.
خلاصة:
    لقد سبق الآميدي الجرجاني لهذه المبادئ الهامة في السرقات، إلا أن ما يحسب للجرجاني - حسب د.محمد مندور- كونه خصص ما عممه الآميدي وفصل ما أجمله، وهو وإن خصص وفصل فإنه لم يأخذ بهذه المبادئ، بل اكتف باستبعاد اللفظ ،وجمع ما قيل مشابها لمعاني الشاعر، فكان رأيه بهذا خاليا من من كل درس أو تحقيق أوتطبيق.



0 commentaires :

قالب دبل كليك | جميع الحقوق محفوظة لمدونة و القلم ©