الأحد، 5 فبراير، 2012

هل في القرآن شيء أفضل من شيء ...؟


هل في القرآن شيء أفضل من شيء ...؟

الكاتب: الإمام// بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي

وقد اختلف الناس في ذلك، فذهب الشيخ أبو الحسن الأشعري، والقاضي أبو بكر، وأبو حاتم بن حبان وغيرهم إلى: أنه لا فضل لبعض على بعض؛ لأن الكل كلام الله، وكذلك أسماؤه تعالى لا تفاضل بينهما.

وروى معناه عن مالك، قال يحيى بن يحيى: تفضيل بعض القرآن على بعض خطأ، وكذلك كره مالك أن تعاد سورة أو تردد دون غيرها، احتجوا بأن: الأفضل يشعر بنقص المفضول، وكلام الله حقيقة واحدة لا نقص فيه.

قال ابن حبان في حديث أبى بن كعب رضي الله عنه: "ما أنزل الله في التوارة ولا في الإنجيل مثل أم القرآن، إن الله لا يعطي لقارئ التوراة والإنجيل من الثواب مثل ما يعطى لقارئ أم القرآن" إذ الله بفضله فضل هذه الأمة على غيرها من الأمم وأعطاها من الفضل على قراءة كلامه أكثر مما أعطى غيرها من الفضل على قراءة كلامه.

قال: وقوله أعظم سورة أراد به في الأجر لا أن بعض القرآن أفضل من بعض.

وقال قوم بالتفضيل لظواهر الأحاديث ثم اختلفوا فقال بعضهم : الفضل راجع إلى عظم الأجر، ومضاعفة الثواب بحسب انفعالات النفس وخشيتها وتدبرها وتفكرها عند ورود أوصاف العلا وقيل بل يرجع لذات اللفظ وأن ما تضمنه قوله تعالى: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} وآية الكرسي ، وآخر سورة الحشر ، وسورة الإخلاص من الدلالات على وحدانيته وصفاته ليس موجودا مثلا في: {تَبَّتْ يَدَا َأبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} وما كان مثلها فالتفضيل إنما هو بالمعاني العجيبة وكثرتها لا من حيث الصفة وهذا هو الحق.

وممن قال بالتفضيل إسحاق بن راهويه وغيره من العلماء، وتوسط الشيخ عز الدين فقال: كلام الله في الله أفضل من كلام الله في غيره، فـ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} أفضل من: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} وعلى ذلك بنى الغزالي كتابه المسمى بـ «جواهر القرآن» واختاره القاضي أبو بكر بن العربي لحديث أبي سعيد بن المعلى في «صحيح البخاري»: "إني لأعلمك سورة هي أعظم السور في القرآن قال : {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}.

ولحديث أبي بن كعب في «الصحيحين» قال لي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أي آية في كتاب الله أعظم؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: يا أبي أتدري أي آية في كتاب الله أعظم ؟ قال: قلت : {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} قال: فضرب في صدري وقال: "ليهنك العلم أبا المنذر".

وأخرج الحاكم في «مستدركه» بسند صحيح عن أبي هريرة : "سيدة آي القرآن آية الكرسي"

وفي الترمذي غريبا عنه مرفوعا: "لكل شيء سنام وإن سنام القرآن سورة البقرة فيها آية الكرسي"

وروى ابن عيينة في «جامعه» عن أبي صالح عنه "فيها آية الكرسي وهي: سنام أي القرآن، ولا تقرأ في دار فيها شيطان إلا خرج منها" وهذا لا يعارض ما قبله بأفضلية الفاتحة؛ لأن تلك باعتبار السور وهذه باعتبار الآيات.

وقال القاضي شمس الدين الخويي: كلام الله أبلغ من كلام المخلوقين وهل يجوز أن يقال بعض كلامه أبلغ من بعض؟

جوزه بعضهم لقصور نظرهم، وينبغي أن يعلم أن معنى قول القائل هذا الكلام أبلغ من هذا الكلام أن هذا في موضعه له حسن ولطف وذاك في موضعه له حسن ولطف وهذا الحسن في موضعه أكمل من ذاك في موضعه فإن من قال إن: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} أبلغ من: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} يجعل المقابلة بين ذكر الله، وذكر أبي لهب، وبين التوحيد، والدعاء على الكافرين.

وذلك غير صحيح بل ينبغي أن يقال: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} دعاء عليه بالخسران فهل توجد عبارة للدعاء بالخسران أحسن من هذه وكذلك في: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} لا توجد عبارة تدل على الوحدانية أبلغ منها فالعالم إذا نظر إلى: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} في باب الدعاء والخسران ونظر إلى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} في باب التوحيد لا يمكنه أن يقول أحدهما أبلغ من الآخر وهذا القيد يغفل عنه بعض من لا يكون عنده علم البيان

قلت: ولعل الخلاف في هذه المسألة يلفت عن الخلاف المشهور إن كلام الله شيء واحد، أولا عند الأشعري أنه لا يتنوع في ذاته إنما هو بحسب متعلقاته فإن قيل: فقد قال تعالى: {مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} فجعله شيئين وأنتم تقولون بعدمه وأنه صفة واحدة.

قلنا: من حيث أنه كلام الله لا مزية لشيء منه على شيء ثم قولنا: شيء منه يوهم التبعيض وليس لكلام الله الذي هو صفته بعض ولكن بالتأويل والتفسير وفهم السامعين اشتمل على جميع أنواع المخاطبات، ولولا تنزله في هذه المواقع لما وصلنا إلى فهم شيء منه
وقال الحليمي: قد ذكرنا أخبار تدل على جوار المفاضلة بين السور والآيات وقال الله تعالى: {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} ومعنى ذلك يرجع إلى أشياء:

أحدها: أن تكون آيتا عمل ثابتتان في التلاوة إلا أن إحداهما منسوخة والأخرى ناسخة فنقول إن الناسخ خير أي: أن العمل بها أولى بالناس وأعود عليهم، وعلى هذا فيقال آيات الأمر والنهي والوعد والوعيد خير من آيات القصص؛ لأن القصص إنما أريد بها تأكيد الأمر والنهي والتبشير ولا غنى بالناس عن هذه الأمور وقد يستغنون عن القصص فكل ما هو أعود عليهم وأنفع لهم مما يجري مجرى الأصول خير لهم مما يحصل تبعا لما لا بد منه.

والثاني: أن يقال: إن الآيات التي تشتمل على تعديد أسماء الله تعالى وبيان صفاته والدلالة على عظمته وقدسيته أفضل أو خير بمعنى أن مخبراتها أسنى وأجل قدرا.

والثالث : أن يقال: سورة خير من سورة، أو آية خير من آية بمعنى أن القارئ يتعجل بقراءتها فائدة سوى الثواب الآجل ويتأدى منه بتلاوتها عبادة كقراءة آية الكرسي وسورة الإخلاص والمعوذتين، فإن قارئها يتعجل بقراءتها الاحتراز مما يخشى والاعتصام بالله جل ثناؤه ويتأدى بتلاوتها منه لله تعالى عبادة لما فيها من ذكر اسم الله تعالى جده بالصفات العلا على سبيل الاعتقاد لها وسكون النفس إلى فضل الذكر وبركته فأما آيات الحكم فلا يقع بنفس تلاوتها إقامة حكم وإنما يقع بها علم

قال: ثم لو قيل في الجملة: إن القرآن خير من التوراة والإنجيل والزبور، بمعنى: أن التعبد بالتلاوة والعمل واقع به دونها والثواب بحسب قراءته لا بقراءتها أو أنه من حيث الإعجاز حجة النبي المبعوث وتلك الكتب لم تكن معجزة ولا كانت حجج أولئك الأنبياء بل كانت دعوتهم والحجج غيرها وكان ذلك أيضا نظير ما مضى.

وقد يقال: إن سورة أفضل من سورة لأن الله تعالى اعد قراءتها كقراءة أضعافها مما سواها وأوجب بها من الثواب ما لم يوجب بغيرها وإن كان المعنى الذي لأجله بلغ بها هذا المقدار لا يظهر لنا كما يقال إن قوما أفضل من قوم وشهرا أفضل من شهر بمعنى أن العبادة فيه تفضل على العبادة في غيره والذنب يكون أعظم من الذنب منه في غيره وكما يقال إن الحرم أفضل من الحل لأنه يتأدى فيه من المناسك مالا يتأدى في غيره والصلاة فيه تكون كصلاة مضاعفة مما تقام في غيره والله أعلم.


البرهان في علوم القرآن

==============

موقع هدي الإسلام


0 commentaires :

قالب دبل كليك | جميع الحقوق محفوظة لمدونة و القلم ©