الأحد، 5 فبراير 2012

عمود الشعر العربي عند المعاصرين :تحولات القراءة النقدية

يعد عمود الشعر العربي من أبرز القضايا النقدية عند النقاد العرب؛ من حيث كونه البناء الأمثل في نظر الناقد القديم للشعر العربي، كما أنها القضية التي تجسد فكرة التداخل النقدي مع القضايا الأخرى كقضية القديم والمحدث وقضية اللفظ والمعنى والموازنة بين شاعرين والسرقات الشعرية … إلخ.

 والبحث في هذه القضية بحث في الإبداع الشعري من حيث إمكانية الكشف عن ثنائية التجديد والمحافظة، وتربية الذوق لدى النشء من الشعراء عبر ممارسة رواية الشعر والتفتيش عن سنن العرب وتقاليدها الفنية. فلوا اكتفت الدراسات بالجانب النقدي للقضية لم تصل إلى نتائج دقيقة؛ لأنها لم تتكئ على الإبداع الشعري الكاشف لجدلية الإتباع أو المفارقة عن سنن العرب.


لذا حين ندرس هذه القضية ينبغي في البدء البحث في الإرهاصات الأولى في مصادرها عبر ما ألمح إليه النقد العربي قبل ظهور العنونة النقدية والتصريح بلفظ العمود الشعري، فلو تتبعنا إشارات ابن سلام والجاحظ وابن قتيبة وقدامة بن جعفر لوجدنا أن هناك إشارات خفية لعناصر عمود الشعر، ولو تقدمنا قليلاً عند ابن طباطبا لرأينا أنه يشير في كتابه (عيار الشعر) إلى فكرة سنن العرب وتقاليدهم وعرض نماذج من ذلك، ولعل اهتمام ابن طباطبا بصناعة الشعر ومفهومه وبقضية اللفظ والمعنى جعله لم ينص على ذكر المصطلح ( عمود الشعر )، وحين نقرأ الكتاب ونتتبع هذه القضية عند حديثه عن الشعراء المولدين وتتبع تشبيهات العرب وما ضربوه من أمثال نجد بعض ملامح المصطلح لديه شريطة أن يسلك الناشئ منهاجهم ويحتذي الشاعر طريقهم. ( راجع عيار الشعر: ص:19 )

يقول ابن طباطبا في (سنن العرب وتقاليدها): “ونذكر الآن أمثلةً للأشعارِ المحكمةِ الوصف، المستوفاةِ المعاني، السلسةِ الألفاظ، الحسنةِ الديباجة، وأمثلةً لأضدادها، وننبه على الخلل الواقع فيها، ونذكر الأبيات التي زادت قريحة قائليها فيها على عقولهم، والأبيات التي أغرق قائلوها فيما ضمنوها من المعاني، والأبيات التي قصّروا فيها على الغايات التي جروا إليها في الفنون التي وصفُوها ، والقوافي القلقةِ في مواضعها، والقوافي المتمكنة في مواقعها، والألفاظ المستكرهة النافرة الشائنة للمعاني التي اشتملت عليها، والمعاني المسترذلة الشائنة للألفاظ المشغولة بها، والأبيات الرائقة سماعا الواهية تحصيلا، والأبيات القبيحة نسجا وعبارة العجيبة معنىً وحكمة وإصابة…”.(عيار الشعر : ت : المانع ، ص 50 )

ابن طباطبا عبر هذا النص ومن خلال ما تطرَّق له في أدوات الشعر يشتغل على الفكرة، وبسط الأصول المحددة لطرق العرب في عمود الشعر، وبعض الصفات والخلال؛ وما يقابلها في الجانب المضاد.

إلا أن تصوّر ابن طباطبا كان تصورا غير مكتمل لعمود الشعر؛ لأنه وقف على مذاهب العرب الشعرية من خلال بعض الحكايات الأسطورية التي عرض لها في سنن العرب، وعبر ما زعموا في رمي السنِّ، وإمساك العرب عن البكاء حتى يأخذوا بالثأر لقتلاها، وما إلى ذلك من الخصوصية الماطة بالسُّنَّة الشعرية لدى العرب.

يأتي الآمدي في كتابه الموازنة بين الطائيين لينصَّ على عمود الشعر بأحكامٍ جاهزة مسبقا، وغير مكتملة لأنها لم تتقصَّى النتاج الشعري لكلٍ من أبي تمام والبحتري، ولعل الارتكاز في موازنته على إظهار البحتري – الذي لم يفارق عمود الشعر- (الموازنة: ص4) وإبرازه على أبي تمام أسسَّ لظهور ثقافة الانتصار في تراثنا النقدي حين كانت أدواته الموازنة النقدية، وعمود الشعر، وبعض الثنائيات النقدية الأخرى.

كل هذا لم لا يضر بالآمدي الناقد الذي أشار إلى عمود الشعر عبر اهتمامه باللفظ والمعنى والسرقات والابتكار والتقليد، إذ يقول: ” قال صاحب البحتري: فقد سقط الآن احتجاجكم باختراع أبي تمام لهذا المذهب وسبقه إليه، وصار استكثاره منه وإفراطه فيه من أعظم ذنوبه، وأكبر عيوبه، وحصل للبحتري أنه ما فارق عمود الشعر وطريقته المعهودة، مع ما نجده كثيرا في شعره من الاستعارة والتجنيس والمطابقة ، وانفرد بحسن العبارة، وحلاوة الألفاظ وصحة المعاني: حتى وقع الإجماع على استحسان شعره واستجادته، وروى شعره واستحسنه سائر الرواة على طبقاتهم واختلاف مذاهبهم؛ فمن نفَق على الناس جميعا أولى بالفضل، وأحق بالتقدمة. ” (الموازنة : ت : السيد صقر . ص : 18 ).

القاضي الجرجاني في الوساطة يشير إلى “عمود الشعر” عند العرب ولم يقتصر على تحديد ما كانت العرب عليه في صناعة الشعر ، ولم يبتعد كثيرا عن سابقيه إلا من حيث التركيز على تنصيص بعض الأصول وتهيئتها للمرزوقي من بعده، إذ يقول: ” كانت العرب إنما تفاضل بين الشعراء في الجودة والحسن بشرف المعنى وصحته، وجزالة اللفظ واستقامته، وتسلَّمُ السبق فيه لمن وصف فأصاب، وشبَّه فقارب، وبَدَه فأغزر، ولمن كثُرت سوائر أمثاله وشواردُ أبياته، ولم تكن العرب تعبأ بالتجنيس والمطابقة، ولا تحفل بالإبداع والاستعارة إذا حصل لها عمود الشعر ونظام القريض. وقد كان يقع ذلك في خلال قصائدها ويتفق لها في البيت بعد البيت على غير تعمدٍ وقصد؛ فلما أفضى الشعر إلى المحدثين ، ورأوا مواقع تلك الأبيات من الغرابة والحسن، وتميزها عن أخواتها في الرشاقة واللطف، تكلفوا الاحتذاء عليها فسمَّوْهُ البديع…”. ( الوساطة: ت : أبو الفضل إبراهيم والبجاوي ص: 33 )

وبهذا الكلام الذي تطرق فيه القاضي إلى عمود الشعر في سياق ثنائية القدم والحداثة المتصلة بالشعر العربي يقف مواقف الوسط بين الشعراء، مع ميله إلى الطبع والرواية فيما كانت عليه العرب، وإن كان بما ذكره في عناصر عمود الشعر قد تقدم بالمصطلح إلى رؤية أفضل مما كانت عليه لدى السابقين، موقف الوسط لا يظهر فيما تطرق إليه في كلامه السابق، بل يتجلى في مجموع نقده التطبيقي والتنظيري لقضية نظام القريض وعمود الشعر، إذ إنه في كثير من مواطن كتابه يعرّج على الجماليات الشعرية التي تنبئ عن وعي في التلقي والذوق لنظام العرب، وبهذا كان يتوسط بين العمودية والنصوصية خلاف ما ذهب إليه الغذامي حين صنّفه في العموديين. كما هو توسطه بين المتنبي وخصومه.

تكتمل دائرة القضية بصورتها النهائية في النقد العربي القديم عند أبي علي المرزوقي من خلال مقدمته لشرح الحماسة، إذ يقول منوها بذكر الأهداف والمرتكزات لعمود الشعر: إن من “الواجب أن يتبين ما هو عمود الشعر المعروف عند العرب، ليتميَّزَ تليدَ الصنعةِ من الطريف، و قديم نظام القريض من الحديث، و لتُعرفَ مواطئ أقدام المختارين فيما اختاروه، و مراسم إقدام المزيفين على ما زيفوه، و يعلم أيضا أن فرقا بين المصنوع و المطبوع، و فضيلة الآتّي السمح على الأبّي الصعب، فنقول وبالله التوفيق:

إنهم كانوا يحاولون شرف المعنى وصحته، وجزالة اللفظ واستقامته، والإصابة في الوصف، ومن اجتماع هذه الأسباب الثلاثة كثُرت سوائر الأمثال، وشوارد الأبيات، والمقاربة في التشبيه، والتحام أجزاء النظم والتئامها على تخير من لذيذ الوزن، ومناسبة المستعار منه للمستعار له، ومشاكلة اللفظ للمعنى وشدة اقتضائهما للقافية حتى لا منافرة بينهما فهذه سبعة أبواب هي عمود الشعر.” (شرح ديوان الحماسة . أحمد أمين وهارون. القسم الأول . مقدمة الشارح: ص: 9 ) .

هذه الأصول الممثلة للعمود الشعري عند العرب كما تصورها المرزوقي في المقدمة، وجعل لكل عنصر من هذه الأصول معيارا نقديا يقيس به العنصر أو الباب كما ذكره، وهذه المعايير كالتالي:

1 . عيار المعنى أن يعرض على العقل الصحيح والفَهْم الثاقب.
2‌. عيار اللفظ هو الطبع والرِّواية والاستعمال.
3‌ . عيار الإصابة في الوصف هو الذكاء وحسن التمييز.
4‌ . عيار المقاربة في التشبيه هو الفطنة وحسن التقدير.
5‌ . عيار التحام أجزاء النظم والتئامه على تخير من لذيذ الوزن هو الطبع واللسان.
6‌. عيار الاستعارة هو الذهن والفطنة.
7‌. عيار مشاكلة اللفظ للمعنى واقتضائها للقافية هو طول الدُّربة ودوام المدارسة.

(شرح ديوان الحماسة . مقدمة الشارح: ص: 9 وما بعدها ) .

هذه الأصول التي تمثل الحدود الفنية لعمود الشعر هي الأبرز في نظر الأقدمين من النقاد؛ لا سيما في نظر المرزوقي، أصول لفنية الشعر العربي وطريقتهم المثلى في بناء القصيدة، ومن الملحوظ هنا أنها شملت الأصول الأبرز ولم تتطرق إلى كل الأصول، فكانت بحق تمثل الأصول العامة التي تتصل الإنسان وتدور في فلك تلقيه للفن، من حيث الطباع النفسية التي يقاس بها المعايير الفنية.

وبهذا يختتم المرزوقي حديثه – بعد أن ذكر الأصول ومعاييرها التي تقاس بها – بأهمية نسبية تلقي الشعراء لهذه الأصول؛ وبلزومها وبناء الشعر عليها وأن كل شاعر يقيس شعره عليها، وتكون شاعريته بقدر حظه من هذه الخصال والأصول التي تمثل عمود الشعر عند العرب.



تعدد القراءة وحضور التلقي عند المعاصرين:



هذه الأصول الفنية السبعة التي يتكون منها عمود الشعر العربي القديم، كما جاءت في نص المرزوقي، كانت محط اهتمام النقاد المعاصرين، إذ حاولوا قراءة هذه الأصول قراءات متعددة وفق رؤى مختلفة، ولعل أبرز هذه القراءات: القراءة التراثية الشارحة للمقدمة ويمثلها الشيخ التونسي محمد الطاهر بن عاشور، والقراءة الحداثية عند عبدالله الغذامي ومحي الدين صبحي، وتوفيق الزيدي. والقراءة التأريخية النقدية كما هي عند الدكتور وليد قصاب، والدكتور محمد مريسي الحارثي، ود.رحمن غركان، وآخرين.

تمثل قراءة الشيخ محمد الطاهر بن عاشور قراءة تراثية تعتمد الشرح والتفصيل للقضية من خلال شرحه للمقدمة الأدبية، فهو يعلّق على ما ذكره المرزوقي في مقدمته، ويفصّل القول في تتبع هذه الأصول وفق ما جاء به السياق بين المصنوع والمطبوع في الشعر العربي. ويذكر المعايير النقدية لكل عنصر من الأصول التي جاء بها المرزوقي في القضية، ويعلق على كل عنصر من هذه الأصول التي تمثل العمود الشعري.

إن القراءة التراثية التي اعتمدها الشيخ ابن عاشور تمثل مرحلة أولى متقدمة في زمانها من حيث العقلية الهادئة التي يتمتع بها ابن عاشور، ومن حيث السبر والتقسيم في الأصول والتعليق الجديد حسب رؤية الشيخ للقضية وفهمه للتراث العربي. (شرح المقدمة الأدبية . ابن عاشور. ص: 60).

والرؤية الشارحة المعاصرة التي ارتكزت عليها رؤية الشيخ محمد الطاهر بن عاشور تمثل القراءة التراثية للقضية، إلا إنها لم تأتِ مفردة وإنما جاءت في ظل شرح المقدمة الأدبية التي احتوتها مقدمة المرزوقي على شرح ديوان الحماسة لأبي تمام.

والقراءات المتعددة لم تكن وفق رؤية واحدة بل جاءت وفق رؤى مختلفة، ولعل قراءة عبدالله الغذامي في كتابه (المشاكلة والاختلاف) تحدد الفرق بين العمودية والنصوصية من حيث تمحور النقاد القدامى حول مصطلح عمود الشعر؛ ويشير أن ابن طباطبا والآمدي والقاضي الجرجاني والمرزوقي يحافظون على (العمودية) التي ذكر عناصرها المروزقي في “المقدمة، ويخرج من ذلك النصوصيين كــ : عبدالقاهر الجرجاني وحازم القرطاجني الذي لم ينساقوا وراء التسليم بعمود الشعر من خلال ما قدماه في نتاجهم النقدي حول الشعر. وبذلك كأن هؤلاء المهتمين بعمود الشعر والطبع وسنن العرب وجزالة اللفظ وما إلى ذلك من عناصر عمود الشعر يتمركزون في دائرة “المشاكلة” وأن من اختلف معهم حول بحث الشعر من زوايا التخييل والذوق والبعد الجمالي يتمحورن حول دائرة “الاختلاف”.

( راجع المشاكلة والاختلاف : الغذامي . ص : 45 )

فيما يرى محي الدين صبحي انطلاقا من رأي القاضي الجرجاني لـعمود الشعر بأن العناصر يمكن إعادتها وفق التصور التالي:

العناصر التكوينية: وهي اللفظ والمعني.

العناصر الجمالية: وهي الوصف ووالتشبيه.

والعناصر الإنتاجية: وهي غزارة البديهة، والفرادة. ويعني بالفرادة كثرة الأمثال والأبيات الشاردة. (نقلا عن عمود الشعر. توفيق الزيدي ص: 58).

وهاتان القراءتان تمثلان بعدا جديدا في التلقي لعمود الشعر العربي؛ إذ تؤكدان على التلقي الجديد للعناصر العمودية، وتسهمان في إعادة تشكيل الأصول القديمة وفق المعطيات التي تستمد رؤيتها من النقد الحديث.

رؤية محي الدين صبحي تتصل بالشكل الشعري المحدث وتقرأ الأصول في ضوء مرتكزات المادة التكوينية للشعر، والبعد الجمالي والحضور الانتاجي، وكل هذا متصل بالجانب الإبداعي الشكلي في النص الشعري، بينما رؤية عبدالله الغذامي تتصل بالجانب النقدي لدى النقاد القدامى؛ في محاولة جادة للتفريق بين النقاد النصوصيين والنقاد العموديين الذين تمركزوا حول تلقي الشعر العربي القديم، وتناولوا عمود الشعر بين رؤيتين: إما رؤية نظرية تحقق الثبات في القراءة لدى العموديين، وإما نظرة تطبيقية ذات بعد جمالي تعتمد البناء النصوصي والتذوق للعناصر الكامنة في النص الشعري عند النصوصيين.

وإن كانت تمثل هذه التعددية روافدَ نقديةٍ جديدة في تتبع القضية لدى المعاصرين فإننا سنقف أمام جهود نقدية تمثل بُعدا مهمًّا في حركة التلقي للقضية عبر ما تنتجه من قراءات جديدة للقضية؛ لا سيما فيما نجده عند النقاد الذين تناولوا القضية في خصوصية مفردة، وألَّفوا فيها الكتب الخاصة، وتتبعوا القضية وفق القراءة التأريخية والنقدية، وهذا خلاف الجهود السابقة التي قرأت العمود وفق قضايا نقدية أخرى، ولعل من أبرزهم : الدكتور وليد قصاب من خلال كتابه: (قضية عمود الشعر في النقد العربي القديم ظهورها وتطورها). والدكتور محمد بن مريسي الحارثي؛ عبر كتابه : (عمود الشعر العربي النشأة والمفهوم). والدكتور توفيق الزيدي من خلال كتابه: (عمود الشعر). وغيرهم كثير ممن درسوا هذه القضية استنادًا للدرسات السابقة التي تطرق لها الباحثون في أبحاثهم.

ومن هؤلاء على سبيل المثال ما يراه د. محمد بن مريسي الحارثي حين تناول المفهوم والأصول وفق تقسيمات احتوت مادة الشعر، والعناصر الصياغية، والوحدة المعنوية. وفي ذلك يؤكد أن المعالجة لمفهوم العمود الشعري لا تتم إلا عبر هذه المباحث التي تناولت “المعنى والمبنى ووحدة الموضوع” (عمود الشعر العربي … الحارثي. ص:253) .

فالباحث هنا يرجع عناصر العمود الشعري إلى ثلاثة تصورات؛ منها ما يعود إلى العناصر التكوينية المتصلة بمادة الشعر، ومنها ما يهتم بالجانب الصياغي، ومنها ما يحقق الربطة الموضوعية المتصلة بالوحدة المعنوية في النص الشعري.

إذ يرى أنَّ شرف المعنى وصحته يتصل بالمادة الشعرية، و أنَّ جزالة اللفظ واستقامته، والإصابة في الوصف، والمقاربة في التشبيه، ومناسبة المستعار منه للمستعار له، ومشاكلة اللفظ للمعنى وشدة اقتضائهما للقافية حتى لا منافرة بينهما. تمثل العناصر الصياغية. بينما يبقى الجانب الثالث الممثل للبعد التلاحمي في الوحدة المعنوية فيما ذكره المرزوقي من: التحام أجزاء النظم والتئامها على تخير من لذيذ الوزن.

ويختلف د.توفيق الزيدي عبر رؤيته لأصول العمود الشعري، إذ يقرأ القضية قراءة جديدة ذات بعد حداثي عبر الثنائية البنيوية للقضية النقدية من خلال مبدئين: مبدأ الإفهام، ومبدأ الوَقْع.

إذ يقول: “الرأي عندنا أنَّ عناصر العمود، كما استقرت عند النقاد، إنما هي تفصيلٌ لنواة العمود النابعة من الحفل الشعري: مبدأ الإفهام ومبدأ الوقع. فما ضبطه النقاد، إنما هو شرائط الإفهام على مستويي المعنى والصورة، وشرائط الوقع على مستويات الوزن واللفظ والنظم”. (عمود الشعر. توفيق الزيدي ص: 59).

وعلى هذا فإنَّ مبدأ الإفهام يختص بشرف المعنى وصحته، وما يتعلق بفهم الصورة ومقاربة التشبيه، وأن مبدأ الوقع يختص بالوزن واللفظ والنظم والتأليف والالتحام. والباحث يدعو بعد تقسيم هذه الأصول إلى تتبع فاعلية حضورها في مدونة الشعر العربي من خلال الفئتين التي حافظت على العمود الشعري والمفارقة له.

وأخيرا إن تلقي الأصول المتصلة بعمود الشعر في النقد الحديث يكشف عن تعدد القراءات النقدية، وإنَّ اختلاف المناهج النقدية يتيح هامشا من الحرية الجمالية أمام تحولات حركية الإبداع الشعري.

فمهما كانت القراءات النقدية تتمحور حول فهم المادة الشعرية للمدونة الشعرية، ومهما ترتكز الرؤية الشارحة حول الأصول الفنية، فإنها لا تكون إلا فهمًا لجمالية التذوق للغة الشعر ومعانيه ذات البعد الجمالي، وأن القراءة النقدية لعمود الشعر العربي وتحولاتها ما هي إلا دعوة لقراءة العمود في ظل المنجز الشعري القديم، والجاهلي على وجه الخصوص؛ لننتبع هذه الأجزاء التي تكوّن العمود؛ وتكشف عن المسكوت عنه في القضية من خلال ما تركته الثغرات في ذائقة الناقد العربي القديم. ومن خلال تتبع الأجزاء في عمود الشعر نفهم الكل الذي يبني ذاكرة العربي القديم للنص الشعري، ويكشف عن فهمه للقصيدة العربية، وعن الحدود الفنية للقصيدة العربية القديمة.


0 commentaires :

قالب دبل كليك | جميع الحقوق محفوظة لمدونة و القلم ©